2015-01-07

موسم الخطوبة

حتى قبل أن تمر أربعينية الراحل عبد الله باها، سارع عبد الإله بنكيران إلى طنجة لكي يخطب للشاب سمير عبد المولى، ففي نهاية المطاف الحي أولى من الميت. والظاهر أن بنكيران يريد أن يعطي الانطباع بأن الحياة تستمر، حتى ولو كان قد فقد نصفه، بل إنه أصبح يحاول ما أمكن نسيان صديق عمره عندما أمر إخوانه في الحزب بأن يتوقفوا عن نسج الأساطير حول عبد الله باها، خصوصا بعدما نشرت صحافة الحزب كشفا للرصيد الهزيل الذي تركه باها بعد موته في حسابه البنكي والذي لم يكن يتعدى 15 ألف درهم، إذ لم يترك الراحل لا عقارات ولا أملاكا، وإنما ترك فقط شيكين بمبلغ 5000 درهم وهما عن قرض كان قد قدمه لأحد من معارفه وتسلم شيكين مقابله. وربما تجاهل ناشرو هذا الخبر أنهم أساؤوا إلى الراحل باها بذكر أمر هذين الشيكين، فالراحل كان وزير دولة، ولا يليق بوزير في مستواه أن يحتفظ بشيكين على سبيل الضمان وهو يعرف أن القانون يمنع ذلك وأن الشيك لا يعطى على سبيل الضمان. 

ولكي يعطي بنكيران صورة أخرى عن عبد الله باها تشوش على تلك الهالة التي أصبح يتمتع بها بعد موته حكى لإخوانه في الحزب كيف أنه طلب ذات مرة من باها أن يقرضه بعض المال، فرفض هذا الأخير ذلك، وقال إن باها كان يحب أن يبقى ماله معه.
وهكذا ففي مقابل صورة الرجل الزاهد في المال التي شاعت في مواقع التواصل الاجتماعية مثل النار في الهشيم يقدم لنا بنكيران صورة أخرى للراحل تحوله من زاهد إلى حريص على المال. 


والظاهر أن عبد الإله بنكيران يحاول بكل الطرق طي صفحة عبد الله باها، ولذلك قرر أن يذهب إلى طنجة لكي يخطب للشاب سمير عبد المولى الذي فكر أخيرا في إكمال دينه. وإذا كانت بعض وسائل الإعلام قد تناقلت خبر «الخطبة» التي تطوع لها بنكيران، فإن خبرا آخر ظل بعيدا عن التناول، ويتعلق الأمر بحادثة وقعت لبنكيران في الطريق بين الرباط وطنجة.
طبعا لا يتعلق الأمر بحادث سير، لحسن الحظ، بل بشخص كان واقفا في الطريق يقوم بالأطوصطوب للسيارات المارة في الطريق السيار لكي تتوقف وتحمله. بنكيران الذي كان راكبا في سيارته مع بعض مقربيه أشار إلى السائق بأن يتوقف لكي يحمل معهم في السيارة رجل الأوطوصطوب. ركب الرجل في السيارة وعندما وصل القوم إلى طنجة ذهب هذا الأخير إلى حال سبيله بينما ذهب الخاطب بنكيران وحاشيته إلى دار «الخطبة». 


وبما أن سيارة رئيس الحكومة ليست مثل كل سيارات عباد الله، فقد كانت مراقبة، كما تقتضي ذلك شروط الحماية الخاصة بموظفي الدولة الكبار. ولذلك فعندما نزل الرجل من السيارة تحركت الهواتف لمعرفة هوية رجل الأوطوصطوب. ومن سوء حظ الرجل أنه طلع رجل أمن، والمصيبة هي أنه غادر منطقة عمله دون رخصة من رؤسائه، فضلا عن أنه قام بعمل غير قانوني عندما وقف على قارعة الطريق يشير بيده لمن يحمله.
وكما هو جار به العمل في مثل هذه الأمور استدعت الإدارة العامة للأمن الوطني رجل الشرطة واتخذت في حقه الإجراء الإداري المناسب. رجل الشرطة «مكانش من العاكزين» حمل زوجته وأبناءه وذهب إلى بيت رئيس الحكومة ورمى العار عليه. فما كان من بنكيران سوى أن اتصل بالمدير العام للأمن الوطني وقال له إن الشرطي في حمايته، ولا يجب معاقبته على ما قام به. 


هذه الواقعة تطرح أسئلة عميقة حول مدى احترام رئيس الحكومة للقانون، طالما أن رئيس الحكومة مفروض فيه أنه يمثل المؤسسات ويجب أن يحرص على احترام القانون وتطبيقه. أول خرق للقانون قام به رئيس الحكومة هو توقيفه لسيارته في الطريق السيار، الممنوع فيه الوقوف والتوقف، من أجل إركاب شخص غريب يجهل كل شيء عن هويته ودوافعه ونواياه. كيف كان سيكون منظرنا أمام العالم لو أن هذا الشخص كان إرهابيا خطط لإلحاق الأذى برئيس الحكومة؟ ثم كيف يسمح رئيس الحكومة لشخص غريب بأن يركب معه السيارة الحكومية التي وضعتها الدولة رهن إشارته؟ وماذا لو أن هذا الشخص تعرض لأزمة صحية داخل سيارة رئيس الحكومة، كيف كان سيشرح ذلك للرأي العام؟ ولحسن الحظ أن هذه الاحتمالات كلها، على وجاهتها، لم يكتب لها أن تتحقق، لكن تطورات هذه القضية تحققت على أرض الواقع، وأحد تجلياتها أن الشرطي موقوف عن العمل الآن من طرف إدارته بسبب مغادرته مكان عمله دون رخصة. 


والمشكلة أن رئيس الحكومة نصب نفسه مدافعا عنه ضد إدارته، رغم أنه يعلم الآن هوية الشخص الذي حمله في سيارته ويعلم الخطأ المهني الذي ارتكبه. وواضح أن رئيس الحكومة اعتبر معاقبة هذا الشرطي انتقاما شخصيا منه جزاء له على حمله معه في سيارته، ولذلك استعمل عبارة «الحماية» في تبنيه لملف الشرطي، وكأنه يحذر الإدارة العامة للأمن الوطني من أن معاقبة الشرطي تعني تحديا مباشرا لرئيس الحكومة. لقد كان على رئيس الحكومة، المفروض فيه حماية القانون واحترام التراتبية المهنية، أن يشرح للشرطي أن ما قام به يعتبر خطأ مهنيا، فقد كان عليه قبل أن ينوي السفر أن يحصل أولا على رخصة من رؤسائه المباشرين.
وهذه مناسبة لكي نقول لرئيس الحكومة أنه مطالب بإصدار تعليمات لوزير الداخلية لكي يبلغها للمدير العام للأمن الوطني بتسهيل مسطرة حصول رجال الأمن على تراخيص بالسفر والعطل، فهم بحكم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم والنقص الكبير في أعدادهم مطالبون بالاشتغال فوق طاقتهم، وأحيانا دون تعويضات عن الساعات الإضافية. وبسبب هذا الضغط الكبير أصبحنا نسمع بين يوم وآخر عن شرطي يطلق الرصاص على نفسه وآخر ينتحر شنقا وثالث ينزع ملابسه ويقتحم مكتب رئيسه محتجا. وكان على رئيس الحكومة أن يخبره ثانيا أنه بعد الحصول على رخصة السفر كان عليه أن يتنقل نحو المحطة الطرقية أو محطة القطار لكي يقتني تذكرة سفره ويجنب نفسه محنة الوقوف على قارعة الطريق لتسول مقعد في سيارة أو شاحنة أو «خطاف».


وقد كانت ظاهرة وقوف عناصر من الأجهزة العسكرية والأمنية وحراس السجون قد اختفت من طرق المملكة ذات وقت، لكنها مؤخرا عادت بشكل يدعو إلى الاستهجان، إذ لا يليق بسمعة أجهزة تحمي أمن وممتلكات الوطن والمواطنين أن تقف عناصره بالزي المهني على قارعة الطرق للتوسل إلى سيارات العابرين من أجل التوقف لهم. لكن رئيس الحكومة فضل أن يغمض عينيه عن كل هذا وأن يقف في صف خرق القانون، وهذه ليست أول مرة يقوم فيها بذلك، ألم يزره قبل سنة مراقبو البلدية لكي يوقفوا ورش البناء العشوائي الذي كان بصدده في بيته دون أن يكون قد سلك المساطر القانونية للحصول على رخصة الإصلاح؟ ولو أن رئيس الحكومة أعرض عن التوقف في الطريق وامتنع عن إركاب الشرطي معه في سيارة الدولة، لكان جنب نفسه الانتقاد وجنب الشرطي العقوبة. فرئيس الحكومة ذهب يأكل الحلوى في حفل الخطوبة بينما الشرطي أكلها «فعظامو» بسبب هذا «الزهر المكفس» الذي لاقاه مع رئيس الحكومة. 


الآن يضع رئيس الحكومة إحدى الإدارات التابعة لقطاع وزاري يوجد تحت سلطته موضع حرج، فهل تقبل هذه الإدارة بمنطق «الحماية» الذي رفعه رئيس الحكومة في وجهها وهو يضع الشرطي المخطئ تحت جناحه، أم تتجاهل منطق «الحماية» وتطبق منطق القانون وتتحدى بذلك سلطة رئيس الحكومة؟ 


هذا هو السؤال الذي سنرى جوابه في الأيام المقبلة.

2015-01-04

القنبلة الطائرة

جاء حادث الطائرة الماليزية، التي عثر على حطامها الأحد الماضي، لكي يعيد إلى الأذهان لغز اختفاء الطائرة «بوينغ 777» التابعة للخطوط نفسها، خصوصا بعدما اتهم «مارك دوغتن»، وهو الكاتب الفرنسي، والمدير التنفيذي لشركة «بيتريوس» للطيران، الأمريكيين بإسقاط الطائرة الماليزية بصاروخ أطلق من القاعدة العسكرية الأمريكية الموجودة في جزيرة ديغو غارسيا البريطانية، التي تبعد عن أستراليا بثلاثة آلاف ميل، وهي موقع عسكري استراتيجي مهم للأمريكيين في هذه المياه التابعة لحوض الباسيفيك وجنوب القارة الآسيوية.

لعل الجميع يتذكر ذلك الإقلاع المأساوي رقم «MH370»، الذي أودى بحياة 219 مسافرا وحظي بتغطية إعلامية دولية جارفة ومكثفة، حيث لم تكتشف بقايا حطام الطائرة ولم تسفر نتائج البحث الدولي عنها عن أية نتيجة. وطبعا لم يكن دخول مكتب الشرطة الدولية على الخط دخولا بريئا في مثل هذه الحوادث.

لو رجعنا إلى بسط الأفكار التقنية التي قدمها لنا مجموعة من المختصين، واطلعنا على فحواها في العديد من التقارير التقنية ذات الخبرة، والتي تثبت أن حادث اختفاء الطائرة «بوينغ 777» هو في الأصل حدث صادر عن تواتر مجموعة من الأحداث المتناسقة التي تنذر بوجود حرب إلكترونية عالمية خطيرة، ليس قرصنة موقع شركة صوني العالمية من طرف قراصنة تابعين لكوريا الشمالية بسبب إنتاج الشركة لفيلم يحكي عن قتل عناصر من الاستخبارات الأمريكية للرئيس الكوري، سوى حلقة من حلقات مسلسل هذه الحرب الإلكترونية الشرسة بين الأقطاب العالميين.

المنطق التقني ينفي مجموعة من التفسيرات التي تم تقديمها للرأي العام الدولي في شأن تحطم الطائرة الماليزية واختفائها؛ إذ لا يمكن إطلاقا أن يقدم الربان ومساعده على إيقاف تشغيل جهاز إرسال البيانات الإحداثية وبيانات الرادار التي تخبر بموقع الطائرة؛ فعملية تعطيل أجهزة الاتصال هي عملية معقدة ولا يمكن للربان أن يقوم بها إطلاقا من مقصورة القيادة، لأن الروابط السلكية المشغلة لجهاز الرادار تكون في قلب الطائرة وعلى الربان أن يخرج من الطائرة أصلا ويفتح مقصورة خارجية ليعطل هذا الجهاز. وبالتالي فخبر أن الربان أقفل جهاز الرادار وقال: «تصبحون على خير»، هو قول غير معقول.

لماذا يصعب تعطيل جهاز الرادار؟ لأنه من اللازم، ولأسباب أمنية بحتة، أن تتعرف القواعد الأرضية وخصوصا العسكرية على كل الطائرات التي تمر في الأجواء. وفي حال ما سلمنا بأن طائرة ما، ولأسباب مادية خاصة، تعطلت أجهزة رادارها وتواصلها، فإنها تتحول من طائرة إلى «شيء يطير» على القوات الجوية ملاحقته والتعرف عليه وتحطيمه إذا كان يشكل خطرا.

وللذكر فإن أي شيء يطير، وبقواعد علمية كلاسيكية بسيطة، يتم التعرف عليه وعلى مساره من رادارات أرضية بسيطة، وهذه العملية تقوم بها الإنسانية منذ نصف قرن تقريبا، وبالتالي فخبر اختفاء الطائرة وعدم ضبطها من على الأرض يبقى احتمالا صعبا وغير ممكن الحدوث.

أما الخبر الرسمي الذي تم تداوله في شأن سقوط الطائرة بالمحيط الهندي قرب فيتنام، فهو خبر تفنده نتائجه، بحيث لم يتم العثور لحد اليوم على بقايا وشظايا الطائرة، علما أن السقوط من علو 11 كيلومترا في البحر أقوى صدامية من السقوط على الأرض بالنظر إلى الكتلة الحجمية الهائلة للبحر. وبالتالي فأي سقوط في البحر من هذا العلو يعطى انفجارا وانشطارا للطائرة وليس غرقا في الأعماق. وحتى إذا افترضنا غرق الطائرة في عمق سحيق يصل إلى 8 أو 9 كيلومترات تحت سطح البحر، فإن «العلبة السوداء» مجهزة لتصدر ومضات قوية تتعرف عليها الطائرات التي تحلق قربها والبواخر التي تمر بجانبها.

وكلنا نتذكر أن الطائرة التي سقطت في الأعماق السحيقة للمحيط الأطلسي سنة 2008، والتي كانت قادمة من «ريو ديجانيرو»، قد تم العثور عليها في ظرف 5 أيام عندما تحسست البواخر ومضات العلبة السوداء للطائرة.

وحتى إن افترضنا أن أستراليا كانت محقة في العثور على شظايا «تشك» في أنها للطائرة الماليزية، فإنه معروف في قطاع غيار الطائرات أنها تسجل أرقام تعريف الطائرة في كل متر مربع من الغيار، وبالتالي إن وجدت أشلاء فمن الضروري أن تكون مكتوبة أو مختومة عليها أرقام تعريف الطائرة.

المهم أن الجميع يعرف اليوم أن الطائرة لم تسقط إطلاقا في المحيط، لكن الأكثر خطورة هو أن الجميع لا يعلم ما الذي حصل بالضبط، هل يتعلق الأمر بحادث سقوط أم بحادث إسقاط؟ لكن هناك بعض النقط المثيرة التي يمكن أن تقلب موازين الافتراضات في ملف الطائرة المختفية، خصوصا إذا علمنا أن طاقم الطائرة المختفية كان يضم 20 مهندسا آسيويا في تعاقدات مهنية مع المنظومة العسكرية الأمريكية.

أربعة من هؤلاء المهندسين هم صينيون يتوفرون على براءة اختراع خطيرة تتعلق بتطوير منظومة إلكترونية للتحكم عن بعد في أنظمة الطيران الحربي وهم  Peidong Wang        Suzhou  والمهندس Zhijun Chen والمهندس Zhihong Chen  والمهندس Li Ying Suzhou ، وهم مهندسون وضعوا براءة اختراع مع شركة Freescale Semiconductor  التابعة للمجموعة Blackstone لصاحبها Jacolb Rothschild . ومنطقيا فإن موت، أو اختفاء، أربعة مشتركين في براءة الاختراع تعطي للشخص الخامس، وهي الشركة الأمريكية، الحق في التصرف في البراءة بنسبة مائة بالمائة.

أضف إلى ذلك أن الشركة الأمريكية متخصصة في مجالات لها علاقة بالطيران الحربي، أي الاتصالات الجوية الحربية، هندسة أصوات الطيران، أنظمة توجيه القنابل، الحرب الإلكترونية..

هذه الحروب الإلكترونية، وأشهرها حرب إسرائيل وإيران، عرفت أوجها عندما باعت Blackstone لإسرائيل نظاما جد متطور يتحكم في إخفاء معطيات رقمية تخص عمل مفاعلات نووية، وقد تمكنت إيران من إبطال هذه الأنظمة بأنظمة مضادة اقتنتها من الصين.

أما في ما يخص إخفاء الطائرات عن الرادارات، وتحويل مسارها عن بعد إذ يتم الدخول في منظومة WayPoint التي تحدد إحداثيات مسار الطائرات وتشويشه، بحيث يمكن لربان أن يتبع تعليمات مقصورته ويتبع بيانات توجيه مزورة ليجد نفسه في دولة أخرى أو يجد نفسه يهوي بطائرته، التي تتحول إلى قنبلة عابرة للقارات، على مدينة أو على قاعدة عسكرية أو نووية.

وبالتالي فالفرضية الأكثر قربا من الواقع، والتي أكدها «مارك دوغتن» الكاتب الفرنسي، تبقى هي أن الولايات المتحدة الأمريكية لقنت الصين درسا في هذه الجولة الأولى من حربها الإلكترونية ضدها، وأفقدتها «جيشا» من أحسن مهندسيها استعرضت عضلاتها في تملكها لأنظمة إلكترونية خطيرة وجد فعال
وبالرجوع إلى «المسلسل» الذي أدخلت فيه وسائل الإعلام العالمية الرأي العام الدولي منذ البداية في شأن هذه الطائرة، فإنه ليس بريئا إطلاقا أن لا تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية إلا بعد أربعة أيام لتنضم للدول المساعدة في البحث عن الطائرة، فيما بلاغ الأجهزة العسكرية الأمريكية جد محير للجميع، بحيث صرحت وكالة الاستخبارات الأمريكية أن الطائرة، بعد فقدان الاتصال بها نهائيا، استمرت في الإقلاع ست ساعات قبل أن تختفي إطلاقا.

يا للعجب، فقد كانوا هم الوحيدون الذين يعرفون ماذا وقع للطائرة وركابها بعد ست ساعات من الحادث.

مجانين الحركة الأمازيغية (2/2)

نعلم كم هي مطواعة «الحركات الهوياتية الهامشية» بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الدولية، والتي من خلالها يتم فتح قنوات عبور للدول المغلقة أو الدول ذات أهمية جيوسياسية معينة: حركة السيخ، الخمير الحمر، جماعات الدلاي لاما، أكراد تركيا، شيشان قزوين، قبايل الجزائر، طوارق مالي... كلها حركات هوياتية بنكهات انفصالية فيها ما تم دكه وفيها ما تم تطويره وتحويله لدول قائمة الذات، وفيها ما تم تحويله لرموز مقدسة تشير «للمأساة الإنسانية» في التحرر الهوياتي، لكنها كلها موظفة بشكل «جيو سياسي» محكم إما لضمان توازنات أو لتعويض تلك التوازنات الإقليمية بأخرى جديدة.

ما يحدث لبعض الحركات الأمازيغية، وهنا نفصل ما بين من يهتم بالقضية من الناحية الأكاديمية والحقوقية وبين من يسخرها لأغراض التموقع السياسي والإقليمي، لا يخرج كثيرا عن هذا التحليل الذي سقناه سابقا بحيث تبقى ورقة «التموقع الهوياتي» للشعوب الأصلية، ورقة سياسية صرفة وليست حضارية إنسانية كما توحي به في الشكل.

لكن ما هي الأصول النظرية التي تريد بها هذه الحركات أن تستقوي في بلدانها وتحشد الدعم الخارجي لقضيتها؟

أول هذه الأصول نظرية «الاضطهاد التاريخي» الذي عانى منه الشعب الأمازيغي الأصلي من طرف الجيوش الفاتحة التي جاءت من شبه الجزيرة العربية. يبدو شعار الاضطهاد قويا في الشكل لكنه من حيث قرائن التاريخ التحليلي يظل أضعف الشعارات.
فعندما جاء إدريس الأول حل بقبيلة أوربة الأمازيغية التي احتضنته وزوجته منها ودعمت مشروع نشر الإسلام بالمنطقة، وهي المنطقة التي سبق للإسلام أن حل بأراضيها وقبله الأمازيغ أجدادنا وتماهوا معه وناصروه ونشروه، وكان من بين أقوى وأصلب ناشريه عقبة بن نافع وطارق بن زياد وابن تومرت وغيرهم من الأمازيغ الذين لولاهم لما حظي الإسلام بموطئ قدم رصين بشمال إفريقيا التي كانت غارقة في ظلمات عقائدية حالكة، من قبيل إله ياكوش الذي اكتشفنا في الوثيقة التي نشرتها مزان أن عصيد، وهذا يبقى بحاجة إلى تأكيد أو نفي، يدين بالولاء له.

وللأمازيغية كحضارة فضل في تطوير بيداغوجيا الإسلام في المنطقة، فلكم عالمنا السوسي المفدى الشيخ والعلامة المختار السوسي، وغيره من علماء سوس العالمة. إذن كون الإسلام ضدا للأمازيغية هي من بين أكثر المغالطات التي ينشرها غلاة «الأمازيغاوية» المتطرفة، وهي تضرب عرض الحائط بأكبر المسلمات أن إسلامنا بالمغرب هو بفضل أجدادنا الأمازيغ.

ثاني النظريات الوهمية هي «الإقصاء السياسي الممنهج للهوية الأمازيغية»، وهذا ما يكذبه الدستور. بحيث يعد الدستور المغربي من بين الدساتير القليلة في العالم والنادرة على الصعيد العربي التي تقبل بفكرة «الامتداد الحضاري وتنوعه»، وبذلك تقبل بتعايش فروع الحضارة جنبا لجنب: الأمازيغية والحسانية والعبرية والأندلسية والعروبية كلها مقومات المغربي اليوم.

وداخل الحكومة عندما نبحث في أنساب الوزراء نجد أن وزير الفلاحة أمازيغي ووزير التعليم العالي أمازيغي، والمرحوم باها كان أمازيغيا، ووزير الخارجية السابق العثماني، رغم اسمه التركي، أمازيغي. هذا دون الحديث عن أوزين والعنصر وغيرهما من الوزراء الذين لم يشرفوا العرق الأمازيغي داخل الحكومة التي كانت في سالف الأزمان حكرا على أهل فاس.

والواقع أننا نجد صعوبة في أن نعثر في المغرب على مقوم حضاري للفرد من دون عوامل مشتركة مع الآخر الساكن معه في الأرض. من هو الأمازيغي المطلق؟ من هو العروبي المطلق؟ من هو العبري أو الأندلسي المطلق؟

المغربي كائن متنوع وسيظل كذلك مهما عاش. فأنا سوسي أمازيغي أبا عن جد وكبرت بين ظهراني قبائل متفرقة في أرض زعير المعطاء، وتنفست عبق الإسلام والعروبة وأحببت كل ما في دواخلي من تنوع. فهويتي «غير منشطرة» كما يحلو للأمازيغاويين أن نصبح. ومصير المغربي من الناحية الهوياتية أن يدبر دوما تصالحه مع أجزائه المختلفة المشكلة له. وهي ما فطن له الدستور اليوم وما يجب علينا أن نحرص عليه.

ثالث النظريات «التكتل من أجل العودة الموعودة»، وهي أقبح نظرياتهم وربما أخطرها على الإطلاق. لأنهم من هنا يدخلون على خط التنسيق مع الانفصال ويصبحون ضحايا الأجندات الاستخباراتية المعادية للمغرب واستقراره.

ولكم أن تتصوروا معي دولة مجاورة معادية تريد أن تخترق استقرارنا من خلال تمويل حركات الانفصال التي بيننا، فتجد في «الأمازيغاوية» نفس ما وجد ليوطي بظهائره الاستعمارية المشؤومة. وهذا التنسيق «البين إقليمي» قاد مجموعة من شباب هذه الحركات إلى «الشذوذ» في الدعوة والدعوية، ولولا حس المسؤولية لدى العقل الباطن للدولة، والسعي إلى «إنضاج المتطرف» والعمل على تمكينه النفسي والاجتماعي والسياسي، لكان أغلب هؤلاء الدعاة في السجن، لما تكتنزه مشاريعهم من حمولات جنائية صرفة.

لا مشكل للأمازيغية مع الإسلام ومع أصول الحضارة العربية، وهو ما نستشفه من آراء العديد من منظري وباحثي الفكر الأمازيغي والقضية الأمازيغية، انطلاقا من آراء أحمد عصيد وزهيد فاطمة ومحمد أجغوغ ورشيد الحاحي ومحمد حنداينو وعبد الإله ستيتو وغيرهم من الباحثين والنشطاء. ومن ينادي بنظرية «الإقصاء الممنهج» وضرورة تصحيح التاريخ لا يعي كثيرا أن «مأسسة» المقوم الأمازيغي فينا بشكل متسرع ومتعصب ستكون له نتائج كارثية على اندثاره وليس انتشاره.

اللغة الأمازيغية، والنقاش ما يزال حول هل هي لغة أم مكون لسني فرعي، جميلة جدا من الناحية الفنية والشاعرية، ولمَ لا وهي مكون تعبيري إنساني حيث لا مفاضلة لغوية بين اللغات، لكن إدماجها التعسفي في خط معين وإدماجها المتسرع في منظومة تعليمية هي أصلا معطوبة، سيجعل من الأمازيغية «محارة جوفاء» كما يقول النحاة الفرنسيون.

لنستوعب حضارتنا الأمازيغية ونحفر فيها بمزيد من الوعي والعقلانية العلمية والثقافية، ولا نتسرع في الحكم على أولويتها ونحن لم ندرك بعد أبعادها الحضارية.

عندما حاولوا في أوروبا «إعادة بعث» اللاتينية وإدماجها القسري في أسلاك التعليم الإجباري بحكم أنها لغة أجدادهم وأصولهم، وقع لها «الانشطار» وتفسخت وذابت، وهي المكون الحضاري القوي والعامر بالعلم والمعرفة وبالدين.

المكون الحضاري هلامي وجد مرهف يعيش فينا وليس بجانبنا، وإذا ما تعاملنا معه كأداة من أدوات «التموقع السياسي» ضاع منا للأبد.

مجانين الحركة الأمازيغية مليكة زان زان 2/1

مجانين الحركة الأمازيغية مليكة زان زان 2/1


إلى حدود الساعة لم يصدر أي تعليق عن أحمد عصيد، الباحث بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، حول اتهامه من طرف مليكة مزان، التي سبق لها أن عرضت نفسها على الأكراد لممارسة الجنس معها، بالتحرش بها جنسيا والتسبب في طلاقها وتفتيت عائلتها. وهي للعلم اتهامات ثقيلة يعاقب عليها القانون في حال لجوء المشتكية إلى القضاء وثبوت التهم في حق المشتكى به.
ولعل ما يثير الانتباه في قضية مزان وعصيد، هو تلك الوثيقة التي نشرتها المعنية بالأمر في صفحتها بـ«الفيسبوك» والتي تدعي التوثيق لعقد زواج وثني تحت ظل إله يدعى ياكوش، رب الأمازيغ، كما جاء في العقد الممهور بتوقيع عصيد، حسب ما تدعي ذلك ناشرته.
وما لم تفطن إليه مزان، التي سبق لها أن طالبت بتسمية المدارس بأسماء «ماسينيسا» و«كسيلة»، عوض عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد، وهي تنشر هذه الوثيقة، هو أنها تعرض حياة عصيد للخطر، بحكم أن الوثيقة تتحدث عن إله وثني يدين له عصيد ومزان بالولاء، وهو ما يعني بصيغة أخرى التحريض على سفك دم عصيد بحكم أنه وثني ومرتد عن الدين الإسلامي.
لكن الأكثر إثارة للاستهجان هو نشر مزان لشريط مسجل بكاميرا الهاتف لعصيد بصدر عارٍ، واضعا فوطة فوق كتفيه وهو جالس إلى مائدة الإفطار يتحدث في الهاتف. والشريط كما قالت ناشرته في صفحتها على «الفيسبوك»  يعود لعصيد عندما كان يقضي الليالي في بيتها، قبل أن تسحبه بعدما قالت إنها تلقت مكالمة باكية من أحد النشطاء الأمازيغيين في المهجر يقول لها إن ما تقوم به ضد عصيد جعل العروبيين يشمتون في الأمازيغ الذين أشهروا «الجناوة» بينهم عوض أن يشهروها في وجه أعدائهم.
ولعل كل من شاهد شريط عصيد الملفوف بالفوطة، الذي ليس فيه ما يثير، استنتج أن مزان لديها في جعبتها أشياء أخرى تدخل ضمن الحياة الخاصة للأفراد، وما نشرها لذلك المقتطف سوى تهديد مبطن بالآتي، والذي يمكن أن تكون نتائجه فادحة على مستوى الحياة الخاصة لعصيد. وهذا ربما ما دفع عصيد إلى إرسال رسالة هاتفية قصيرة إلى هاتف مزان يحذرها من الاستمرار في غيها ويهددها بكشف حقيقتها.
ولعل مزان تجهل أن ما قامت بنشره يدخل تحت طائلة القانون، بل إنها تجهل أن مجرد التهديد بنشر أشياء تتعلق بالحياة الخاصة للأفراد أمر معاقب عليه قانونيا. هذا دون الحديث عن المستوى الأخلاقي الذي انحدرت إليه مزان بلجوئها إلى تصفية حساباتها العاطفية بهذه الطريقة التي تفتقر إلى الذوق.
واضح إذن أن هذه السيدة، التي عاشت علاقة عاطفية مع عصيد انتهت بالفشل، تحاول اليوم جاهدة أن تنتقم لكبريائها بنشر غسيلهما معا على الملأ. وهو سلوك صبياني لا يرقى إلى مستوى النضج المفروض في أناس يعرفون كيف يدبرون خلافاتهم العاطفية.
ومن يتابع خرجات مزان يستنتج أنها بين وقت وآخر تقوم بدور «سكران وحاضي حوايجو»، فهي تدعي جنون الشعر في الوقت الذي تأخذ مطالبها أبعادا سياسية صرفة تتناغم مع تصورات قوى عالية ترى في المغرب أرضا خصبة للتقسيم حسب الأعراق.
أليست هي القائلة «يشرفني أنا مليكة مزان المناضلة الأمازيغية المعروفة بوفائها وإخلاصها لشعبها الأمازيغي، أن أعلن نفسي تلك الزعيمة العلمانية التي يحتاج إليها الأمازيغ ، وأميرة على دولتهم الأمازيغية العلمانية المرتقبة في شمال إفريقيا، مع وعدي الكامل والصارم للجميع بأن أكون عند حسن ظنهم كما كنت دائما. وأن أبذل كل ما في وسعي من أجل بناء وطن أمازيغي موحد وقوي، وضمان كافة حقوق وحريات شعبنا العريق الكريم الصامد».
فكيف إذن سيستطيع هؤلاء أن يدبروا بشكل حضاري خلافاتهم الإيديولوجية، طالما أنهم يجهلون طرق تدبير الخلافات العاطفية؟
لنضع الحدث، الذي يبدو طريفا في ظاهره، في سياقه العام.
قبل أسابيع سمعنا البرلماني السابق وبارون المخدرات، سعيد شعو، المطلوب من طرف الشرطة الدولية، ينادي في هولندا باستقلال للريف عن المغرب. يومان بعد ذلك رأينا شريطا لمغربي أمازيغي موتور في شوارع أمريكا، يشتم ويسب الملك ويطالب أمازيغ المغرب بحمل السلاح ضد العرب لحملهم على مغادرة المغرب والذهاب إلى الجزيرة العربية من حيث أتوا أول مرة.
وهي النغمة ذاتها التي سمعنا من فم أحد الناشطين الأمازيغيين في منتدى مراكش العالمي لحقوق الإنسان، بخصوص حمل السلاح لطرد العرب من المغرب، وهي الدعوة التي لا يجب أن تمر دون تحليل مرامي ومضامين هذا الخطاب الأمازيغي العدواني الذي أصبح يعبر عن نفسه علانية.
وهو الخطاب الذي بدأ ينتشر خصوصا مع شيوع استعمال وسائط التواصل الاجتماعية، والاستغلال الذكي الذي تعرفه هذه الوسائط من طرف أصحاب هذا الخطاب المتدثر أحيانا بجبة الخطاب الحقوقي كما في كتابات أحمد الدغرني، وأحيانا بجنون الشعر، كما هو الحال بالنسبة لمليكة مزان، أو على الأصح «مليكة زان زان»، والتي قالت عني ضمن اتهامها لعصيد بالأنانية، أنني عدو الأمازيغ، وهي مناسبة لكي أقول لها ولأمثالها أنني «أمازيغي حر بلهلا يتبتو ليك، لا نتي ولا غيرك». وأنا لا أحتاج شهادة من أحد لكي أعتز بأمازيغيتي، لأنني ببساطة ولدت حرا وسأبقى حرا إلى أن أموت حرا، وهذا في نظري هو المعنى الحقيقي لأن تكون أمازيغيا.
ما يثيرنا دوما في بعض الحركات «الأمازيغاوية» المتطرفة، سواء في المغرب أو الجزائر أو في بعض مناطق بلدان شمال إفريقيا، هو تماهيها شبه المطلق مع وضعية اليهود في العالم، ففي نظر منظري التطرف الأمازيغي، فإن الشعبين الأمازيغي واليهودي تعرضا معا للاجتثاث والظلم التاريخي، وهي الوضعية التي يجب، حسبهم، «تصحيحها» تاريخيا من خلال تسخير أدوات الاستقطاب والاستقلاب السياسي من خلال الضغط عبر التنظيمات الدولية.
ومن هنا أوجه الشبه ما بين الكونغريس العالمي الأمازيغي، مثلا، الشبيه قلبا وقالبا مع الكونغريس العالمي اليهودي.
وقد بلغ بهما التماهي حدا وصل فيه «التطرف الأمازيغي» إلى تحديد غاياتهم الحضارية الأولى، وهي استعادة الشعب الأمازيغي لهويته على «أرض تامزغا» الممتدة من جزر الكاناري إلى بحيرة سيوة بمصر شرقا، واسترداد ما سرقه الاستعمار العربي الإسلامي منهم».
ذهاب الدغرني ومجيئه المستمر من وإلى إسرائيل، هو وحفنة من «أمازيغ»، قطر بهم سقف التطرف والتزلف، يوطد طرح التماهي الذي أشرنا إليه أعلاه، بل ويرسخ عمل هذه التنظيمات المتفرقة داخل أجندات هي في العمق تتستر وراء «قضية الهوية الأمازيغية المضطهدة»، لتشغل أزرار عمليات مشبوهة مليئة لاستعمال «الورقات الهوياتية» في «الاختراق الأمني»، وتقويض أسس الاستقرار عبر إشعال فتيل النعرات العرقية، طالما أن المغرب ليست فيه نعرات دينية كالتي بين السنة والشيعة والشيع الأخرى كما يحدث في الشرق.